جرعات
مع طي هذه الصفحة يفترض أن تتفرّغ الحكومة لإثبات صدقية التزاماتها بتحقيق ما وصفتها «الإنجازات»، وقدرتها قبل كل شيء، ليس على تأكيد إرادتها بإجراء الإصلاحات المطالب بها داخلياً وخارجياً، وليس على تحديد ابواب الإصلاح، ورسم خريطة تطبيق نظرية لها، بل قدرتها اولاً، على امتلاك مفاتيح تلك الابواب، وثانياً، الولوج منها إلى اصلاحات جدّية عادلة، وموضوعية وعقلانية، وتفتح أبواب السجون للفاسدين والمفسدين وكل المرتكبين، من دون ضغوط ومداخلات وحمايات هنا وهناك؟
فالتعيينات الأمنيّة، وفق ما أبلغت مصادر وزارية إلى «الجمهورية»، تعدّ نقطة في بحر الشغور الواسع الممتد على مساحة مئات من المراكز الوظيفية من كل الفئات، حيث هناك 47 مركزاً شاغراً في الفئة الأولى، موزعة: 13 مركزاً للموارنة، 14 للسنّة، 7 للشيعة، 3 دروز، 4 روم ارثوذكس، 5 كاثوليك، 1 أرمن كاثوليك. اما سائر الفئات، فمن اصل 600 مركز وظيفي في الفئتين الثانية والثالثة، هناك ما يزيد على 270 مركزاً شاغراً.
وأكّدت المصادر انّ بتّ التعيينات جميعها لا يتمّ بين ليلة وضحاها، بل تتطلّب وقتاً طويلاً جداً ربما اشهراً، وحسمها دفعة واحدة يتطلّب تفرّغاً كلياً لها، وهذا أمر لا يستوي مع الملفات الاخرى التي تتطلّب مواكبة حكومية وإجراءات وعلاجات عاجلة، ومن هنا فإنّ الحكومة ستعجّل في الأمر على جرعات متتالية، والقاعدة الأساس الخضوع لمعيار الكفاءة والجدارة والنزاهة والرجل المناسب في المكان المناسب.
ورداً على سؤال حول آلية التعيينات، قالت المصادر «انّ الحكومة في مجال التعيينات لن تكرّر ما كان معمولاً به في السابق لجهة المحاصصة وتجاوز الكفاءات لمصلحة المحسوبيات. فرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يؤكّدان على هذا الأمر بشكل متواصل بأنّ الوصول إلى دولة نظيفة بما لهذه الكلمة من معنى، ودولة متقدّمة، يوجب وضع الأكفأ والأكثر جدارة في الوظيفة والمسؤولية. واما حول الآلية، فلمّحت المصادر إلى الدور الأساسي المنوط بمجلس الخدمة المدنية في هذا الأمر.
دعم الجيش
إلى ذلك، أكّدت مصادر سياسية أنّ حسم التعيينات الأمنية والعسكرية مطلب يتشارك فيه الجميع، وارتداداته مريحة على مختلف الصعد، لافتة إلى أنّ من الطبيعي ان يعوّل العهد الرئاسي على هذه التعيينات بوصفها مرتبطة بالمهام الحساسة والدقيقة التي تنتظرها، سواء على مستوى الأمن الداخلي وترسيخه بصورة شاملة ومطمئنة لجميع اللبنانيين، او على مستوى الحدود من الجنوب في ظل الاعتداءات الاسرائيلية وخروقاتها المتواصلة للقرار 1701، واتفاق وقف اطلاق النار، وصولاً إلى البقاع والشمال في ظل ما تشهده من تطورات في الجانب السوري، وما قد يتأتى منها من مخاطر على لبنان، سواء عبر عمليات التهريب، او عبر تسلّل المجموعات المتطرفة والارهابية في اتجاه لبنان.
ولفتت المصادر إلى انّه «صحيح أنّ التعيينات مطلب شامل، ولا بدّ من حسمها، ولاسيما منها التعيينات الأمنية الأكثر من ضرورية، الّا انّ العبرة تبقى في توفير الدعم للجيش والأجهزة والمؤسسات الأمنية لتمكينها من أداء دورها ومهماتها كما يجب. ولا شيء مطلوباً اكثر من ذلك، حيث انّ التراخي في هذا الامر وعدم الإيفاء بالوعود والالتزامات العربية والدولية حول دعم الجيش تحديداً، لن يؤدي إلى التقدّم ولو خطوة واحدة إلى الأمام، ويجعل كل كلام عن ضبط الحدود ومنع الفلتان الأمني والإشكالات ومنع التهريب ومحاربة الإرهاب وحفظ وحدة الأراضي اللبنانية وتطبيق القرارات الدولية واحترام اتفاق الهدنة ومنع الاعتداءات الاسرائيلية، كلاماً بلا أي معنى».
طعن بالموازنة!
وفي سياق حكومي آخر، علمت «الجمهورية»، أنّ نقاشات تجري بين عدد من التوجّهات النيابية لإبطال مفاعيل موازنة العام 2025، التي اقرّها مجلس الوزراء بمرسوم في جلستها التي عقدتها بعد نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي.
وبحسب المعلومات فإنّ توجّهاً نيابياً لإعداد مراجعة طعن بالموازنة، امام المجلس الدستوري، واللافت الحضور الفاعل لتكتل «لبنان القوي» في هذا التوجّه، ولاسيما انّ هذه الموازنة لا تُعدّ موازنة بالفعل، بل هي كناية عن خزان أعباء على المواطنين، وتعتريها ثغرات وشوائب في مختلف مفاصلها، تستوجب ان يتصدّى لها مجلس النواب لتصويبها.
يُشار في هذا المجال إلى انّ الحكومة برّرت إقرار الموازنة بمرسوم، وهو أمر غير مسبوق منذ سنوات طويلة، بتمكين الحكومة من الصرف على الأساسيات والمتطلبات، وهو ما يوفر جانباً منه مشروع موازنة الـ2025، والّا مع عدم إقرار الموازنة فستضطر الحكومة إلى الصرف على القاعدة الإثني عشرية على ما كان معمولاً به في السنة المالية الماضية، وهو أمر لا يغطي شيئاً مما هو مطروح أمام الحكومة من متطلبات وضرورات وأولويات في شتى المجالات».
تحرّك الصندوق
مالياً، برزت أمس جولة وفد صندوق النقد الدولي برئاسة رئيس البعثة ارنستو راميرز على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر.
ووصفت مصادر متابعة لأجواء المباحثات بأنّها واعدة وتمهّد لعقد اتفاق جديد مع لبنان يتيح له الاستفادة من مساعدات الصندوق بما يفوق ما كان مقرراً في الاتفاق السابق. وكان تشديد واضح من قبل فريق الصندوق على انّ سبيل التعافي مفتوح امام لبنان، الذي لا بدّ له من اعتماد سريع لمسار الإصلاحات الضرورية والملحّة، ولاسيما في القطاعات الأساسية التي من شأنها ان تبعث الانتعاش في الاقتصاد والمالية اللبنانية. وبحسب المصادر عينها، فإنّ وفد الصندوق سمع من المسؤولين تقديراً لتوجّه الصندوق نحو لبنان، واستعداده لتوفير المساعدات، ولمس حماسة في الاستفادة من هذه الفرصة والقيام بالإجراءات الحكومية العاجلة لتحقيق هذه الغاية.
وأفيد بأنّ راميرز عرض رؤية الصندوق لخروج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية عبر الدخول في خطة لبرنامج إصلاحي مالي واحد، مبني على التنسيق بين المؤسسات اللبنانية مع الصندوق، لإعطاء إشارة عودة الثقة بلبنان، معتبراً أنّ مثل هذه الخطة الموحّدة تساعد على الإسراع في البدء بعملية النهوض الاقتصادي في البلاد. وقد شكر الرئيس عون رئيس البعثة على الإهتمام الذي يبديه صندوق النقد الدولي لمساعدة لبنان، مؤكّداً العمل على تنفيذ الإصلاحات التي هي مطلب لبناني قبل أن تكون مطلب المجتمع الدولي.
وأوضح الوزير جابر انّ «البحث مع وفد الصندوق تناول الأولويّات، ألا وهي تعيين حاكم مصرف لبنان، والذي سيتولّى دوراً مهمًّا في العمل مع صندوق النقد. أضاف: «التحضيرات والإصلاحات ستكون من أجل تمكين لبنان من الخطّة. ونحن مع إجراء بعض التعديلات في قانون النقد والتسليف بانتظار حاكم للمصرف. وعلى الجميع أن يقوم بدوره من أجل الوصول إلى هذا البرنامج».
وفي سياق مالي متصل، ترأس الرئيس سلام اجتماعاً في حضور المدير الإقليمي للبنك الدولي جان كريستوف كاريه، للبحث في مشروع إعادة إعمار البنى التحتية المقّدم من البنك الدولي،المتعلق بـ«إيلاء المناطق الحدودية التي تعرّضت لتدمير قاسٍ، الأولوية لتسهيل فتح الطرق وعودة المواطنين إلى مناطقهم». وقد قدّم البنك الدولي عرضاً للمنهجية المعتمدة لمشروع إعادة إعمار البنى التحتية، حيث تبلغ قيمة المشروع نحو مليار دولار، منها نحو 250 مليون دولار على شكل قرض، على أن يتمّ إيجاد التمويل المتبقي من المساعدات الدولية. ويتضمن المشروع معالجة الردم، وإعادة بناء البنى التحتية بناءً على منهجية تعتمد المقياس الاقتصادي.