جذور الأزمة كانت تعود إلى بنية النموذج منذ تركيبه في مطلع التسعينيات. كانت كلما ظهرت مؤشرات على الانهيار، أنقذت بفعل مؤتمرات باريس، أو بفعل الصدفة التي تمثّلت في أزمة مالية عالمية دفعت التدفقات إلى لبنان، أو بفعل الهندسات المالية. لكن منذ مطلع 2019 بدأت تصدر تقارير مكثّفة ومتتالية من وكالات التصنيف الدولية، والتي ضُمّنت تحليلات عن مدى كفاية احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. وفي مطلع تلك السنة، أعدّ المسؤول السابق عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في وزارة المال طلال فيصل سلمان، اقتراحاً سريّاً بإعادة هيكلة الدين العام. وفي تلك الفترة، تلقى زبائن المصارف عروضات لتجميد ودائعهم لمدّة سنة أو أكثر بفوائد فاقت 20% على الدولار، وبدفعات مقدمة فوراً من الفائدة. الزبائن الذين رفضوا الإغراءات تعرضوا للتضييق لثنيهم عن تحويل أموالهم إلى الخارج. لكن وراء هذا السلوك المصرفي، رواية يتناقلها المصرفيون يومياً عن أن الودائع عالقة لدى مصرف لبنان. فهذا الأخير كان قد استحوذ على 200 ألف مليار ليرة من الأموال التي تديرها المصارف، وكانت غالبية سيولة المصارف بالعملات الأجنبية في قبضته. لذا، كان تسديد الوديعة يتطلب شراء الدولارات من مصرف لبنان الذي أوقف، اعتباراً من آذار 2019، إعادة الدولارات التي تستحق لهم، بل بات يقرضهم إياها بفوائد باهظة.

تقنياً، مصرف لبنان هو أول من توقف عن السداد، وتزامن ذلك مع توقف المصارف عن السداد. وهذا الأمر حصل على دفعات متدرّجة – وفق قانون هيمنغواي – ثم فجأة قرّرت المصارف الإقفال. ولغاية اليوم، أي بعد مرور ثلاث سنوات، لا يقرّ غالبية المصرفيين بما حصل فعلياً بالنقاشات التي دارت فعلياً بينهم وبين حاكم مصرف لبنان في الولايات المتحدة الأميركية حيث كانوا يشاركون في اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لكن بعضهم أفصح أخيراً عما حصل: «في الاجتماع الذي عُقد بحضور الحاكم دار نقاش بين المصرفيين حول الإقفال وضرورته. المصارف لم تقفل في عزّ الحرب، لكن الحاكم ضرب يده على الطاولة صارخاً: بدكن تسكروا». هكذا أقفلت المصارف أمام الزبائن 12 يوم عمل متتالية، لكنها لم تقفل بشكل كلّي بل كانت بعض الأقسام الداخلية تعمل وتنفّذ التحويلات إلى الخارج التي استفاد منها: مساهمو المصارف، سياسيون، زبائن محظيون. أحد أبرز الأمثلة أن واحداً من أمراء الخليج حصل على وديعته التي تفوق 220 مليون دولار. وهذا الأمر لا يعني أن المصارف لم تكن متواطئة، بل على العكس كانت المصارف مدركة تماماً لما يحصل. أحد أصحاب المصارف، وهو شاب ورث إلى جانب شقيقته، حصتهما في المصرف عن والدهما، يقول إنه كان يعلم منذ سنتين أن الأزمة آتية من خلال قراءة المؤشرات المالية والنقدية لكنه لم يستطع معارضة الحاكم. فالمصرفيون اغتنوا بسبب النموذج الذي أداره الحاكم منذ مطلع التسعينيات، وكان لحم أكتافهم من المال العام والخاص، الذي يطبعه ويستقطبه ويوزّعه الحاكم حصراً عبر آليات منها التعاميم والهندسات.

عملياً، كان مصرف لبنان يطبع النقود ويضخّها في السوق عبر تعاميم مختلفة منها 151 و158، أي أنه لم يكن يضخّ النقد بهدف موازنة حاجات السوق من العملة، بل بهدف إطفاء الخسائر في القطاع المصرفي من خلال تغطية السحوبات وفق هذين التعميمين بقيمة 8000 ليرة للدولار وبقيمة 12000 ليرة مقابل الدولار. وبالطبع كان يغطّي أيضاً الزيادات البخسة في أجور القطاع العام. تضاعف الكتلة النقدية بهذا المستوى مخيف ومقلق بسبب أثره السلبي الواسع على سعر الصرف الذي سجّل قفزة عملاقة لغاية اليوم أيضاً. فبهذه الأرقام لن تكون هناك توقعات إيجابية وهذا ما ظهر فعلاً بعدما أنجزت قوى السلطة عملية الترسيم البحرية، إذ إن سعر الدولار استمرّ بالارتفاع.

ما يحصل الآن ينطوي على سمة مناقضة تماماً لما حصل في 17 تشرين الأول 2019. فإذا كانت الانتفاضة يومها، ردّ فعل على الانهيار، فإن التكيّف هو ردّ فعل على تبعات هذا الانهيار لثلاث سنوات متتالية. الأمر ليس مفاجئاً، فالضخّ النقدي المتواصل، أتاح للقطاع الخاص تصحيحاً جزئياً للأجور، لكنه أدخل الاقتصاد في دوامة التضخّم والأجور التي تتغذى على ارتفاع سعر الصرف وعلى ضخّ النقد. كل هذا الإجرام لم يقابله للآن سوى التكيّف!
المصدر:” الاحبار – محمد وهبة”
**