الشرعية الدولية

logoإن الشرعية الدولية منبثقة من منظمة الأمم المتحدة، وعليه، كي نفهم آلية هذه الشرعية يجب أن نعلم ماهيّة منظمة الأمم المتحدة.

 بعد الحرب العالمية الأولي، قامت الدول الغربية المنتصرة باحتضان الدول المنهزمة وإنشاء منظمة دولية ترعى وتنظم علاقات الدول بحيث تمتص الخلافات وتؤطرها وتجد لها الحلول قبل تفاقمها كي لا تصل إلى مرحلة الحرب؛ فكان تكوين عصبة الأمم والذراع القانونية لها المتمثلّة بالمحكمة الدائمة للعدل الدولي. وكانت هذه العصبة مبنية على مبادئ العدالة والمساواة واحترام سيادة الدول وحقوق الأقليّات الإثنية والدينية ومعاملة الشعوب المنتَدَبة بالمساوات مع مواطني الدول المنتَدِبة ومنع الاتجار بالبشر وغيرها من المبادئ الإنسانية السامية. وعليه، وتماشياً مع هذه المبادئ، كانت الدول الأعضاء سواسية في العصبة وتؤخذ القرارات بالتصويت حيث الأكثرية تحكم بغض النظر عن قوة الدول أو حجمها العسكري أو الاقتصادي أو البشري؛ أي من دون حق النقض. أي كانت تحكم قرارات عصبة الأمم الجمعية العمومية، علماً أنه في ذروتها وصل عدد الدول الأعضاء إلى 58 دولة.

 ولكن، حيث أن حقوق الدول جميعها سواسية، ابتدأت الدول العظمى آنذاك تعترض على القرارات التي تمسها وتنسحب من العصبة كالولايات المتحدة وإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية. وحيث أنها من الدول العظمى، من كان يجرؤ على محاسبتها؟ وكانت النتيجة تحوّل العصبة إلى هيكل دولي فارغ يجتمع فيه الدول المثيرة للشفقة وهي تصرخ: عدالة!

 واندلعت الحرب العالمية الثانية وانتهت بتغلّب الحلفاء على دول المحور. وتم إحياء العصبة من خلال تعديل قوانينها ومسمّاها، باعتبار أن العصبة بقوانينها ومسمّاها لم تنجح بإيقاف الحرب؛ السبب الأساس لإنشائها. وتم إنشاء مجلس الأمن الدولي من الدول المنتصرة وهي الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة (بريطانيا) والاتحاد السوفياتي وفرنسا الحرة. وحيث أن الولايات المتحدة خرجت الأقوى بين المنتصرين، ونظراً للخلافات التي شهدها الاتحاد السوفياتي مع الصين (كالخلاف البعثي بين سوريا والعراق)، ولتشكيل ورقة ضغط على ستالين، قامت الولايات المتحدة مدعومة من بريطانيا بالضغط لإدخال الصين الشعبية ضمن مجلس الأمن. وتم وضع القوانين التي تحمي مصالح هؤلاء الدول الخمسة على حساب المجتمع الدولي.

 وعليه، تم صياغة شرعة الأمم المتحدة بحيث يتألف مجلس الأمن من 15 دولة مداورة كل سنتين لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ما عدا الدول الخمس الكبرى التي هي دائمة العضوية. وأي قرار يصل إلى مجلس الأمن يجب أن يحظى بأصوات تسعة من الدول الأعضاء بمجلس الأمن بشرط أن لا ينقض القرار أي من الدول الخمس الدائمة العضوية؛ أي إذا حصل القرار على موافقة 14 عضو من أصل 15 ونقضته إحدى الدول الدائمة العضوية (الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أو الصين)، لا يمرّ القرار. من هنا، أصبح صوت الجمعية العمومية التي تمثل 193 دولة عضو، لا قيمة فعلية له وتحولت أصوات هذه الدول التي تمثل أكثر من 80% من دول العالم، أسيرة واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية وانحصرت أصواتها بالمواقف المعنوية. أما الهيئة الوحيدة التي ما زالت تتسم بالعدالة والمساواة فهي تلك التي ورثت المحكمة الدائمة للعدل الدولي بمسمى: محكمة العدل الدولية. ولا تُعتبر قراراتها سارية المفعول إلا في حال تقدّمت الدولتين المتنازعتين مقدّماً بطلب الحكم بينهما وبالموافقة المسبقة على الحكم. فإذا تقدّمت دولة ما بتظلّم إلى محكمة العدل الدولية ضد دولة أخرى ورفضت هذه الدولة اللجوء إلى المحكمة، يُعتبر حكم محكمة العدل الدولية بهذه القضية غير ملزم. كما حصل مع السلطة الفلسطينية عندما قدمت شكوى بموضوع الجدار الفاصل الإسرائيلي.

 وعليه، من هذه المؤسسة الدولية المحكومة بأوليغاركية (أو أوليغارشية) أي حكم الأقلية، يتم تعريف الشرعية الدولية. وجدير بالذكر أنه عند الاختلاف على حدود دولة معينة، يمكن تحديدها من خلال معرفة حدود جيرانها. هنا السؤال الكبير، إن حدود الأرض الفلسطينية ممكن معرفتها من خلال حدود لبنان وسوريا والأردن ومصر والبحر الأبيض المتوسط، ولكن منذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، ليس هناك حدود مرسّمة لدولة إسرائيل: أين تبدأ إسرائيل وأين تبدأ فلسطين؟ فكيف تم القبول بإسرائيل كعضو كامل وفاعل في منظمة الأمم المتحدة وهي دولة من دون حدود معروفة؟ علماً أنه من صلب قوانين منظمة الأمم المتحدة أنه ممنوع على أي دولة الانتماء إلى المنظمة من دون حدود مرسّمة ومعروفة.

 ومن هنا، فإن الباحثين في الشؤون الدولية يعتبرون الأمم المتحدة منظمة ذات وجهين وطبيعتين، الوجه والطبيعة السياسية التي لا دخل لها بالعدالة الإنسانية، وطبيعة قانونية وإنسانية ممثلة بمحكمة العدل الدولية التي لا سلطة لها؛ علماً أنه حتى في حال تم اعتبار أحكام محكمة العدل ملزمة، إن الجهة الوحيدة المخوّلة تنفيذ الأحكام هي مجلس الأمن المحكوم بحق النقض… أي سلطة المصالح السياسية وليس العدالة.

 وعليه، فإن الحزب ملتزم بالشرعية الدولية عندما لا تتناقض قراراتها مع المصلحة الوطنية ومع المصالح العربية والإقليمية والدولية الملتزمة بمقاومة الكيان الصهيوني. إن الشرعية الدولية التي لا تتوافق مع هذه التوجهات يعتبرها حزب التوحيد العربي قرارات غربية-صهيونية لا تمثل أي نوع من شرعيّة العدالة الإنسانية وحقوق الشعوب بالعيش الحر والكريم.

[divide]

لتحميل الملف بصيغة PDF انقر هنا   pdficon

12 + 5 =